عبد الرحمن بدوي
تصدير 25
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
جبرول ، بدراسة الفلسفة وتدريسها ؛ وكان أقل أصلة من ابن جبرول ، ولكنه كان في مقابل ذلك أقدر على تنظيم أفكار الآخرين ، وهو عمل كان بطبعه موهوبا فيه نظرا إلى ميله إلى ملاحظة منشأ المدارس الفكرية واختلافاتها كما يعرضها التاريخ . وقد ألّف للتدريس ، وقد مارسه في طليطلة - ألّف كتابا في المنطق وكتابا في الطبيعيات وفيما بعد الطبيعة ، فيها لخص ما في كتب اليونانيين المترجمة إلى العربية وما في الكتب التي ألفها المسلمون في هذه الموضوعات . وكانت آراء ابن سينا أساس مذهبه . ولعلّه إنما ألف « في النفس » الذي تحدثنا عنه في مستهل هذا البحث ، في ذلك العهد ؛ ويتألف من عشر مقالات أو مسائل أحسن صياغتها وأتى عليها ببراهين فلسفية ، دون معونة أو تأييد من البراهين القائمة على الإيمان . « فلما التقى بتلميذه النصراني دون دمنقه غنصالبه ( كما ورد اسمه في بعض الوثائق العربية ) ارتفع أفقه إلى مستوى أعلى بعد أن كانت أنظاره محصورة داخل الأفق اليهودي أو الإسلامي ، ممّا هيّأ له أن يستشرف إلى أعلى المجالى التي تضئ أرض إسرائيل الحقيقية ، دون أن يغلق عينيه عن الحقائق التي لم يكن إلّا لعقله أن يظفر بها قبل اعتناقه المسيحية . فلما أن اعتنق الكاثوليكية اتجه علمه اتجاها أوسع أفقا . فلم يكن له أن ينحصر بعد في العالم العربي ، بل كان عليه أن يتجه خصوصا إلى العالم اللاتيني . وفي هذا الاتجاه الجديد توقفت الفلسفة ، وكان على هذا المعتنق الجديد للمسيحية أن يرصد عمله للترجمة وتأليف الكتب التي تفيد النصارى في اتقان فهم الكتب المترجمة ، لأن غرضه لم يكن أن يفسد ، بل أن يفيض على البراهين الإيمانية أنوار الفلسفة . « وإخلاصه في اعتناق الكاثوليكية وعلمه جعلاه يبدو في نظر الكهنوت الأسبانى خليقا بمرتبة الأسقف ، فاختاره الحبر الأعظم ( - البابا ) لكرسى اشقوبيه في سنة 1149 . ولما توفى دون ريموند ونقل ابن داود إلى طليطلة أسقفا لها . لكن أعماله الأسقفية لم تمنعه أبدا من مزاولة العلم ؛ بيد أنه اضطرب في غمار السياسة حينما دخل ملك ليون مدينة طليطلة .